يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )

252

أشعار الشعراء الستة الجاهليين

أفرض أن العربية تتّسع لألوان الشعور الغربي ولكن هل يوجد في أذواق أكثريّة القرّاء هذا المتّسع . الشاعر لا يغني لنفسه وحدها وإنما كل مكافأته أن يصغي شعبه إلى ألحان قيثارته . ومهما تمرّد الشاعر الكبير على الأساليب والتصوّرات في أمته فهو لا يستطيع أن يظفر مرة واحدة إلى تصوّرات وأساليب تخالف ما ألفه شعبه فيقطع الوشائج القوية التي تربط الحال بالماضي . والحق أن كثيرا من الشعراء مع ما لهم من الاطّلاع الواسع على آداب الغرب وعلومه مضطرون إلى التطور داخل تطوّر اللغة وتطوّر أبناء اللغة ، وقد يسبقونهم إلا أنهم لا يبعدون عنهم كل البعد ، وهذا التطوّر اليوم ليس بمفقود تماما ولا يصحّ أن يحشر الشعراء جميعا في صيد واحدا ، كما لا يجوز الحكم على جميع الكتاب بالخطل لأن الأكثرية منهم تركب الشطط في كتابتها . وفي الحق أن وحدة القصيدة ليست هي كل شيء في الشعر ، وأن الشعر الجاهلي صورة لحياة الصحراء وتفكيرها ونظرها إلى الأشياء وحكمها ، والقصيدة في الشعر الجاهلي تربطها وحدة عامّة ومنهج محدود من افتتاحها بالغزل ثم وصف مناظر الصحراء التي شاهدها الشاعر في طريقه ، ثم الإلمام بالغرض المقصود من القصيدة . وأعتقد أن أنفة الشاعر الجاهلي دعته إلى أن يصف المدح بكثير من تصوير عواطفه ومناظر بيئته حتى لا يظهر خضوع نفسه لمطالب الحياة وحاجات العيش . وكل قصيدة من مشهورات القصائد الجاهلية تربطها وحدة عامّة . وإن كان ميزان المنطق لا يتحكّم في هذه الوحدة التي جاءت أثرا للبيئة وحياة الشاعر . ويقول نويدلكه المستشرق الهولندي : « وفي أحوال كثيرة يحتفظ الشاعر الجاهلي بوحدة الفكرة في قصيدته بأن يجعل كلّا من أقسامها خاصّا بوصف مناظر وحوادث من حياة الشاعر نفسه ؛ أو الحياة العامّة التي يحييها البدو في الصحراء » . ويقول العقاد في نقد الشعر الجاهلي ( 1 ) : « ليس الذي نرويه من قصائد الجاهليين بالنموذج الذي يقتدى به في النظم لأنه في الغالب أبيات مبعثرة تجمعها قافية واحدة ، يخرج فيها الشاعر من المعنى ثم يعود إليه ثم يخرج منه على غير ووتيرة معروفة ولا ترتيب مقبول . وفي تلك القصائد - غير التفكّك وضعف الصياغة - كثير من العيوب العروضية والتكرير الساذج والاقتسار

--> ( 1 ) ص 103 مراجعات في الأدب والفنون للعقاد .